المحقق البحراني
252
الكشكول
للذئب لعافه وقلاه ، قد طال للكلإ فقده وبعد بالمرعاء عهده ، لم يرع إلا نائما ولم يعرف الشعير إلا حالما ، وقد خيرتني بين أن أقتنيه ففيه غناء الدهر أو ذبحه فيكون فيه عظيم الذخر فملت إلى استقنائه لما تعلم من محبتي التوفير ورغبتي في التمييز وجمعي للولد وادخاري للغد فلم أجد فيه مدلفا لفناء ولا مستمتعا لبقاء لأنه ليس بأنثى فيحمل ولا فتى فينسل ولا صحيح فيرعى ولا سليم فيبقى فملت إلى الآخر من رأييك وعملت على الثاني من قوليك فقلت اذبحه فيكون وضيفة للعيال وأقيمه رطبا مقام قد الغزال ، فأنشدني وقد أضرمت النار وجددت الشفار وشمر الجزار وقال : ما الفائدة في ذبحي وأنا لم يبق مني إلا نفس خافت ومقلة إنسانها تاهت ، لست بذي لحم فأوكل لأن الدهر قد أكل لحمي ولا جلدي يصلح للدباغ لأن الأيام مزقت أديمي ولا صوفي يصلح للغزل لأن الحوادث قد خربت وبري ، فإن أردتني للوقود فاكتف ببعري عن ناري ولن تفي حرارة جمري بريح فقاري ، فوجدته صادقا في مقالته ناصحا في مشورته ولم أدر من أي أمر به أعجب أمن مماطلته الدهر بالبقاء أم صبره على الضر والبلاء أم قدرتك عليه مع إعواز مثله أم تأهيلك الصديق به مع خساسة قدره ، فما هو إلا كقائم من القبور أو ناشر عند نفخ الصور والسلام . قال الأصمعي : العميان أكثر الناس نكاحا والخصيان أصح الناس ابصارا لأنهما طرفان ما نقص من أحدهما زاد في الآخر . وحكي أنه جاء الطفيليون إلى وليمة فسد الباب فعلوا الجدار فرآهم صاحب الوليمة وقال : انتظروني إلى حرمنا ونسائنا وبناتنا ، فقالوا : قد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد . قال طفيلي : حضرت يوما في دعوة بعض الأكابر وعنده طبق لوز فأخذ واحد وأعطاني فقلت إن إلهكم لواحد ، فأعطاني ثانيا فقلت : إذ أرسلنا إليهم اثنين ، وثالثا فعرزناه بثالث ، ورابعا فخذ أربعة من الطير ، وخامسا ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ، وسادسا خلق السماوات في ستة أيام ، وفي السابع وبنينا فوقكم سبعا شدادا ، وفي الثامن ثمانية أيام حسوما ، وفي التاسع وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ، وفي العاشر وتلك عشرة كاملة ، وفي الحادي عشر إني رأيت أحد عشر كوكبا ، وفي الثاني عشر إن عدة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهرا ، ثم وضع الطبق بين يدي وقال : إني أخاف أن تقرأ فأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون .